الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
263
شرح ديوان ابن الفارض
وروحه ، وذلك لأن المعدوم إذا اختلط بالموجود كاختلاط النخلة بالنواة قبل أن تظهر منها ، وهي معدومة فيها ليس هو باختلاط في نفس الأمر لأن شرط الاختلاط أن يكون كل من الشيئين موجودا . وهذا ممتنع ، إذ لا وجود لشيء مع الحق تعالى ، وإنما وجود الموجودات بوجود الحق تعالى على معنى أنه ظهور وجود الحق تعالى . وقوله « اتحادا » أي بحيث صار شيئا واحدا ، كاتحاد النخلة بالنواة قبل أن تظهر منها وهي معدومة فيها ، وهو اتحاد العالم بالمعلوم من حيث هو معلوم لا من حيث ظهوره عنه في الخارج عن علمه . وقوله « ولا جرم » هو بكسر الجيم الجسد والجمع أجرام . وقوله « تخلله جرم » من خلل الرجل لحيته أوصل الماء إلى خلالها ، وهو البشرة التي بين الشعر . وكأنه مأخوذ من تخللت القوم إذا دخلت بين خللهم وخلالهم . يعني ليس هذا الاتحاد مثل تخلل الجسم في الجسم تخلل الماء في الصوفة ، أو ماء الورد في الورد بحيث لو عصر لخرج منه . وإنما هو كتخلل الشجر المعدوم العين في بزره الموجود ، فإن كل بزرة تنبت شجرة خاصة لا تكون في بزرة أخرى ، وليس هذا اتحادا ولا حلولا كما شنع به المحجوبون على أهل طريق اللّه تعالى العارفين به . فإن ذلك من عدم فهمهم لمعاني كلامهم ، وعدم معرفتهم باصطلاحاتهم في إيراد علومهم الإلهية بينهم ، فإن شرط معنى الاتحاد والحلول أن يكون موجود يتحد أو يحل في موجود آخر ، وقوله بعده « فخمر » بفاء التفريع أي فخمر موجود ، وهو المدامة المذكورة . وقوله « ولا كرم » وهو العنب ، أي لا كرم موجود . وكنى بالكرم عن عوالم الإمكان وهي المخلوقات كلها فإنها فانية معدومة بعدمها الأصلي ، والوجود الظاهر عليها هو وجود الحق تعالى لا غير . وقوله « وآدم » الواو للحال وآدم مبتدأ ، وهو أبو البشر أوّل مخلوق من هذا النوع الإنساني . وقوله « لي » جار ومجرور متعلق بواجب الحذف خبر مقدّم . وقوله « أب » مبتدأ مؤخر والجملة خبر المبتدأ أي الذي هو آدم . وجملة « آدم لي أب » في محل نصب حال من الضمير في موجود المقدر أولا أو ثانيا وتقديره خمر موجود هو في حال كون آدم أبا لي ، أو لا كرم موجود هو في حال كون آدم أبا لي ، يعني أبوة آدم عليه السلام لي وبنوتي له كائنة في حضرة العلم الإلهي ، والكلام الإلهي لم يتغير شيء من ذلك ولم يتبدل عن النظام الظاهر والترتيب الباهر . وقوله « وكرم » أيضا مبتدأ ، وهو عالم الإمكان كما ذكرنا أي وهو موجود ، وقوله « ولا خمر » أي موجود حينئذ لأن الوجود واحد ، فإذا نسب إلى الخمر الإلهي وهو التجلي الآمري الوجودي لا يبقى للكرم الذي هو كناية عن عالم الإمكان وجود أصلا ، وإذا نسب إلى الكرم المذكور لا يبقى